ما دُمْتَ إِنْسانًا، فَلا بُدَّ أَنَّ شَيْئًا مِنْ هذِهِ التَّساؤُلاتِ قَدْ عَبَرَ بِكَ بَيْنَ الفَيْنَةِ وَالأُخْرى، أَوْ لَرُبَّما أَنَّهُ لا يَزالُ يَتَجَوَّلُ في خَاطِرِكَ حَتَّى الآنَ، وَالسَّبَبُ أَنَّكَ تَخْتَلِفُ عَنْ بَقِيَّةِ الكائِناتِ بِمادَّةٍ هُلامِيَّةٍ تَقَعُ في جُمْجُمَتِكَ، نُسَمِّيها: الدِّماغَ، أَوْ رُبَّما العَقْلَ، بِالعَقْلِ تَخْتَلِفُ أَنْتَ عَنِ الحَيَوانِ كَإِنْسانٍ، الحَيَوانُ يَعيشُ لِداعِيِ البَقاءِ، وَالنَّباتُ يَنْمُو وَفْقَ نَواميسَ مُحَدَّدَةٍ، أَمَّا الإِنْسانُ بِعَقْلِهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَجاوَزَ حُدودَ الحَواسِّ البَهيمِيَّةِ، لِيَتَطَلَّعَ إِلى ما وَراءَ المادَّةِ، وَيَسْأَلَ عَنِ الغايَةِ وَالمَعْنى، فَإِثارَةُ العَقْلِ البَشَرِيِّ لِهذِهِ التَّساؤُلاتِ هُوَ جَوْهَرُ الوَعْيِ الإِنْسانِيِّ، الَّذي يُمَيِّزُ الإِنْسانَ عَنْ سائِرِ الكائِناتِ.
وَمَعَ تَعاقُبِ القُرونِ الَّتي وُجِدَ فيها الإِنْسانُ عَلى هذِهِ الأَرْضِ، تَنَوَّعَتِ الإِجاباتُ، وَاحْتَدَمَتِ الأَفْكارُ، بَيْنَ مَنْ قالَ بِالخَلْقِ، وَمَنْ أَنْكَرَ، بَيْنَ مَنْ آمَنَ بِرِسالَةٍ، وَمَنْ أَعْرَضَ، بَيْنَ مَنْ اِتَّبَعَ هُدىً، وَمَنْ تاهَ في دُروبِ الحَيْرَةِ.